![]() |
| نقولا زيادة |
يحشر
الكثيرون من مؤرخينا أنفسهم في فترة معينة من التاريخ، ويصرّون على أنهم
اختصاصيون في هذا الموضوع أو الفترة. هذا أمر صحيح، لكن أرى أن المؤرخ
الحقيقي يجب أن يكون له اطلاع أساسي (ليس من الضروري أن يكون تخصصياً)
عـلـى مجـرى التاريخ العام كي يستطيع أن يضع فترته في مكانها الصحيح.
تعلمت
من خبرتي الطويلة والمتنوعة الاتجاهات، أن التاريخ لا يمكن أن يفهم إذا
اقتصر المتخصص فيه عليه فقط. الأرض جزء من التاريخ، السهول بخصبها، والسهوب
بتقلّبها، والصحارى بجفافها، يجب أن تدرك بكثير من العناية والدقة كي يفهم
التاريخ. الأدب بجدّه وهزله، والشعر بالجزل منه، والضعيف جزء من التاريخ.
لايزال البعض منا يحسب أن التاريخ معارك، فاصلة أو غير ذلك، لذلك ينظر إلى
أحداث الزمان من خلالها، أحسب أن المؤرخ الصحيح، حتى الذي يؤرخ للشئون
العسكرية أصلاً، يجب أن يتعرّف إلى جو المعركة الخارجي كي يفهم الأمر على
علاّته.
تعلّمنا
وعلّمنا، فيما يصر البعض على تسميته بالمنهجية التاريخية (وكم أسيء إلى
هذه الكلمة)، اننا يجب أن نعنى بالوثائق، فالوثيقة هي أساس، لكنني أرجو
الإخوان العاملين في حقل التاريخ أن ينظروا إلى الوثيقة نظرة دقيقة، إن ما
دوّنه فراعنة مصر وملوك أرض الرافدين وأمراء بلاد الشام وأباطرة الرومان
على جدر المعابد وعلى الصخور القائمة على الطرق التجارية وعلى الأعمدة التي
زيّنت الميادين هو ما تم لهؤلاء من النصر. لم يذكر أيّ منهم أنه كُسر في
معركة، أو أنه خسر في موقعة، لذلك يجب أن تؤخذ مثل هذه الوقائق بعين
الاعتبار، وهذا الأمر لا يقتصر على مثل هذه المدوّنات، بل يشمل حتى كتب
التاريخ، لنذكر أن بعض كتب التاريخ العربي القديمة، وهي مصادرنا، كتبت تحت
تأثير بلاط السلاطين، لذلك يجب أن نكون حذرين في استعمالها والاعتماد
عليها، فضلاً عن ذلك، فإن الأرقام التي ترد في الكثير منها فيها مبالغات ما
أنزل الله بها من سلطان.
